❗خاص❗ ❗️sadawilaya❗
كتب حسن علي طه
الضاحية الجنوبية لبيروت… لا تعرف من أين تبدأ الحديث عنها.
هي المتهمة بكل التناقضات:
خارجة عن الدولة؟ أم الدولة ظالمة لها؟
فيها أوكار عصابات؟ أم هي مصنع الرجال والشهداء؟
هذه الجغرافيا العنيدة لم تُصنع مرة واحدة،
بل تكوّنت بين عبثٍ وفوضى،
وبين تضحياتٍ وعطاءٍ لا ينقطع.
هي ملاذ الفقراء،
الآتين من أرياف الجنوب والبقاع،
ومن أحزمة البؤس حول بيروت أيام تهجير الحرب: الكرنتينا، المسلخ، النبعة…
هناك، بدأت الحكاية.
مع الإمام موسى الصدر، وعيٌ يُضخّ في الناس،
ومع السيد فضل الله، مدرسةٌ مفتوحة،
بيته وقلبه وفكره،
كلها كانت درعًا لأبنائها.
ومنها…
وُلدت أولى بذور المقاومة،
عصيةً على الاحتلال،
لم يستطع تدنيسها.
قبل الألفين،
ومع استشهاد هادي حسن نصر الله،
تحولت الضاحية إلى قبلة،
زارها لبنان كلّه، على اختلافه وتناقضاته.
ثم جاء تحرير العام ألفين،
فصارت الضاحية عاصمة النصر.
وحارة حريك… الاسم الذي اختصر الهيبة:
فيها دارة السيد،
وفيها الأمانة العامة،
وفيها عماد مغنية…
حارس ليلها إذا نامت،
وعينها المفتوحة على فلسطين والشام.
لكن…
الولادة الحقيقية كانت في ٢٠٠٦.
ثلاثة وثلاثون يومًا من الجنون،
أرادها العدو رمادًا،
فعادت أصلب.
هدأ جنونه… لا اقتناعًا، بل عجزًا.
والمفارقة؟
أن العقارات ارتفعت.
وأن الحياة عادت أسرع مما يجب.
بل أكثر مما كانت.
تحولت الضاحية إلى سوق لا ينام،
مقاهي، مطاعم، تجارة، حركة لا تهدأ…
إدمان لمن قصدها،
وحكاية لا تُملّ لزائرها.
حتى صار تجارها ركنًا من السوق اللبناني.
يكفي أن تُمنع بضاعة من الضاحية…
لتفهم حجمها.
كانت السنوات الذهبية…
حتى ٢٠١٩، ومع انهيار البلد، وجائحة كورونا، اصفرّ وجهها وبحّ صوتها،
مثلها كأخواتها، سائر ضواحي الوطن.
ما أن بدأت تتعافى من جديد،
لتسقط مرة أخرى مع حرب غزة.
عاد العدو،
هذه المرة بضعف الزمن،
بدل ثلاثة وثلاثين يومًا في تموز، كانت ستة وستون يومًا من الإبادة.
لكنها… عادت.
بهدوء،
بسرعة،
وبعنادٍ لا يُفسَّر.
أسبوع واحد…
وكانت الأضواء قد اشتعلت،
والمقاهي امتلأت،
وكأن شيئًا لم يكن.
هنا… يكمن السر.
في الضاحية،
رأس المال الجبان لا يهرب… بل يتحدّى بشجاعة.
ناسها يعيدون ما تهدّم
قبل أن ينقشع الغبار.
وفي زمن:
"علِّم – أخلِ – دمِّر"
يزدادون تمسكًا.
رأيت ذلك بعيني…
محل ذهب في بئر العبد،
أربعة أبواب،
واجهات ممتلئة بالذهب.
سألت نفسي:
كيف يجرؤ؟
ثم فهمت…
لأن الخوف هنا لا يعيش طويلًا.
هذه حرب… وستنتهي.
كما انتهت كل الحروب.
وستعود الضاحية…
ليس كما كانت،
بل كما تفعل دائمًا:
أكثر حياة.
لأن فيها شيئًا لا يُقهر…
بذرة تمرّد،
زُرعت عميقًا،
وتوارثها الناس جيلًا بعد جيل.
هنا،
كل شيء يمكن أن يُهدَم…
إلا القامة.
وما دام الرأس مرفوعًا،
كل الخسارات صغيرة.
الضاحية ليست مكانًا…
بل حالة.
كلما ظنّوا أنها انتهت…
بدأت.